مادونا صاحبة معطف الفرو


إنتهى من المخزن
إنتهى من المخزن

ترجمة : صباح الدين علي


6 

المزيد من التفاصيل



منذ صدورها قبل ما يزيد على السبعين عاما – 1943 م -، لم تخرج رواية مادونا من قائمة أكثر الكتب مبيعاً في تركيا، وهذا يجعلها أحد الكلاسيكيات التركية المهمة والتي ترجمت أخيراً إلى اللغة العربية، ترجمة ممتازة رغم أنها الأولى للأستاذ جهاد الأماسي.

ولد صباح الدين علي في أواخر أيام الإمبراطورية العثمانية، في مدينة (أردينو) والتي صارت الآن داخل حدود بلغاريا، درس في إسطنبول، ثم ابتعث لألمانيا لسنتين – ومن تجربته وحياته هناك استقى روايته هذه -، عاد بعد ذلك ليعلم الألمانية في آيدن وقونية، اعتقل بسبب قصيدة انتقد فيها أتاتورك، ولم يعد لسلك التعليم إلا بعدما كتب قصيدة أخرى يبجل فيها أتاتورك، خدم صباح الدين في الجيش حيث كتب روايته (مادونا صاحبة معطف الفرو) في خيمة أحد معسكراته، ويقال أن يده كسرت في الأيام الأولى فلذلك كان يضعها في ماء دافئ ليكتب، أنشأ فيما بعد صحيفة (ماركو باشا) مع أديب تركيا الأشهر (عزيز نيسن)، عانى من الاعتقال والتضييق ورفض طلبه للحصول على جواز سفر، ولهذا قرر الهرب عبر الحدود البلغارية، ولكنه قتل للأسف في ظروف غامضة على يد المهرب والذي قيل أنه متعاون مع السلطات، لم تكتشف جثة صباح الدين علي إلا بعد شهور، في 2007 م احتفلت مدينة أدرنو البلغارية بمرور مئة عام على مولد صباح الدين علي، كما أن كتاباته تدرس في المدارس البلغارية منذ الخمسينات.

ترك صباح الدين علي ثلاث روايات ومسرحية واحدة وعدة قصص قصيرة وقصائد، وها هي الفرصة لنطلع على أهم كتبه على الإطلاق.

يمكننا تصنيف رواية (مادونا صاحبة معطف الفرو) على أنها إحدى روايات حب المغتربين، شيء يشبه رواية (الحي اللاتيني) لسهيل إدريس، أو نوعاً ما رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح، يرقد وراء هذا النوع من الروايات، صراع حضاري بين الشرق والغرب، حيث الشاب الشرقي المبهور بالحضارة الغربية وتقدمها، والخجول من تأخر الشرق وتخلفه، يحاول التواصل مع هذه الحضارة من خلال فتاة غربية، يحاول معالجة - ما أسماه جورج طرابيشي - الجرح النرجسي – أنصح في هذا المجال بقراءة كتابه الرائع (شرق وغرب، رجولة وأنوثة: دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية)-.

طبعاً لا تعاني رواية صباح الدين علي من ذلك الجرح النرجسي المرعب، فقد كتبها بعد تحرير تركيا وإنشاء الجمهورية التركية، فلذا لم يكن يعاني من تلك الحالة العربية الغائرة، والتي زادتها الهزائم العربية أمام العدو الإسرائيلي.

تفتتح الرواية بالراوي والذي يتعرف في عمله الجديد على رجل مسحوق يدعى رائف أفندي، أظن أن كلاً منا التقى في حياته برائف أفندي ما، إنه ذلك الرجل الذي لا يأبه له أحد، إنسان يعيش على الهامش ولا يعترض أو يرفع صوته، هكذا وجد الراوي رائف أفندي في العمل وفي المنزل، ومع مرض رائف أفندي واقترابه من الموت يحصل الراوي على مذكراته والتي يصر رائف أفندي على حرقها، ولكن الراوي يستنقذها ليقرأها لنا.

هكذا تنفتح لنا بوابات عالم آخر، يخلع رائف أفندي ثياب الرجل البائس ليتبدى ورائها عاشق كبير، هكذا نقفز من أنقرة حيث يعيش ويعمل رائف أفندي إلى برلين حيث ذهب في شبابه مرسلاً من والده ليتعلم أسرار صناعة الصابون، ولكنه يلتقي هناك بلوحة تفتنه، ومن ثم يلتقي بصاحبة اللوحة، هكذا تدور قصة الحب ما بين الفتى التركي الساذج، ومادونا صاحبة معطف الفرو.

تحفل الرواية بالمصادفات التي تميز الروايات الكلاسيكية، وتقلق أي قارئ حديث، ولكن الرواية ممتعة في مجملها.